الخميس، 11 ديسمبر 2014

خطبة الإمام العالم الجليل ابن المنيِّر المالكي رحمة الله




     في يوم الجمعة الخامسَ عشرَ من ربيعٍ الآخر سنة ثمانٍ وخمسين وستِّمائةٍ 658هـ، لمّا اجتاح التتار بقيادة هولاكو أرض الشام، قام الإمامُ العالمُ الجليلُ ابنُ المنيِّر المالكي قاضي الإسكندرية في أيام العز بن عبد السلام قام خطيبًا في الناس، وقد ذكر هذه الخطبةَ الإمامُ الذهبيُّ في كتابه تاريخ الإسلام، قال فيها:

 
    الحمد لله الَّذِي يرحم العيون إذا دمعت، والقلوبَ إذا خَشَعت، والنَفوسَ إذا خَضَعت، الموجودِ إذا الأسباب انقطعت، المقصودِ إذا الأبواب امتنعتْ، اللّطيفِ إذا صَدَمَتْ الخطوبُ وصدَّعت، رُبَّ أقضيةٍ نزلت فما تقدّمت حتّى جاءت ألطافٌ دفعت، فسُبحان من وسِعت رحمته كلَّ شيء وحُقَّ لها إذا وسِعت.
    أحمده لصفاتٍ بَهَرتْ، وأشكره عَلَى نعمٍ ظهرتْ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك لَهُ، شهادةً عَنِ اليقين صدرتْ.
    وأشهدُ أن مُحَمَّدًا عبده ورسوله، بعثَهُ والفتنةُ قد احتدَّت والحاجة قد اشتدَّت، ويدُ الضَلالِ قد امتدَّت، وظُلُمات الظُّلم قد اسودَّت، والجاهليّةُ قد بلغتْ غايتَها وجحدت دَيَّانَها، فجاء بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فملك عِنانها وكَبَتَ أعيانها, وظهرت آياتُه فِي الجبابرة فأهلكت فرسانَها، وفي القياصرة فنكَّسَتْ صُلبانَها، وفي الأكاسرة فصدَّعت إيوانَها، وأوضح عَلَى يده المحجة وأبانها، صلى اللَّه عَلَيْهِ وعلى آله، فما أكرم الشجرة وأغصانها، وعلى أصحابه ومن حوى الحوزة وصانها، صلاة إذا أفضت صحيفة الحسنات كانت عنوانه.

   أيها النّاس: خافوا اللَّه تأمنوا فِي ضمان وعده الوفي. ولا تخافوا الخلق وإن كثروا فإن الخوف منهم شركٌ خفيّ.
    ألا وإنّ من خاف اللَّهَ خاف منه كلُّ شيء. ومن لم يخفِ اللَّهَ خاف من كلِّ شيء. وإنما يخاف عزّ الربوبيّة من عرف من نفسه ذُلّ العبوديّة. والاثنان لا يجتمعان فِي القلب ولا تنعقد عليهما النية. فاختاروا لأنفسكم إمَّا اللهَ وإمّا هذه الدنيا الدَّنية. فمن كانت الدنيا أكبرَ همه لم يزل مهمومًا. ومن كانت زهرتها نُصب عينه لم يزل مهزومًا. ومن كانت جِدَّتُها غايةَ وَجْده لم يزل مُعْدَمًا حتّى يصير معدومًا.

   فالله الله عباد الله! الاعتبارَ الاعتبارَ، فأنتم السُّعداء إذا وُعظتم بالأغيار. أصلِحوا ما فَسد، فإنّ الفساد مقدّمة الدّمار. واسْلكُوا الْجِدّ تنجوا فِي الدّنيا من العار وفي الآخرة من النار.

اتقوا اللَّه وأصلِحوا تُفْلحوا، وأَسْلِموا تَسْلَموا، وعلى التّوبة صمّموا واعزموا، فما أشقى من عقد التّوبة بعد هذه العِبَر ثمّ حلّها، ألا وإنّ ذنبًا بعد التّوبة أقبحُ من سبعين قبْلَها".  

 

الأربعاء، 10 ديسمبر 2014

هل تعرف ماذا تعني كلمة "بابا نويل؟


 
.
إن "بابا نويل". أو "سانتا كلوز" شخصية ترتبط بعيد الميلاد، ولكن مسمى "بابا نويل" طغى في الشهرة .. حتى انتشر في جميع أوربا والعالم المسيحي.. وللأسف في العالم الإسلامي..
.
إنه عيد الكريسماس: الذي يوافق يوم 25 ديسمبر .. "يوم ولد فيه المسيح كما يعتقدون"، أي قبل رأس السنة تقريبا بأسبوع ويكون الاحتفال فيه عامّ وشامل، فتكثر فيه الإضاءة وتزيّن شجرة "الكريسمس".
الشجرة التي تعتبر أوراقها ذات الشوك، رمزاً لإكليل المسيح، وثمرها الأحمر رمزاً لدمه، وكان بداية استخدام الشجرة كرمز تقريبا في القرن العاشر..
فهل تعرف ـ أخي ـ ماذا تعني كلمة "بابا نويل"؟.
جاء في سفر النبي أشعياء عليه السلام: "ها هي العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعى اسمه عمانويل الذي تفسيره: الله معنا".
.
عما نويل: كلمة عبرانية، تفسيرها بالعربي "إلهنا معنا"، ومعناه عند النصارى: الله معنا، وفي العبرانية "عمانو": تعني معنا، و"نيل": تعني الإله. و "بابا نويل": أو "بابا نوئيل"، و"نيل، أو "إيل": أي الإله. فكلمة "بابا نويل" تعني: الإله أبونا.
.
و"بابا نويل" شخصية وهمية، صنعها الرسام الأمريكي الشهير توماس، وكان ذلك عام 1860 والتي شكلت في ذهن الأطفال القصص الأسطورية حول هذه الشخصية، التي تأتي علي عربة من الماس، يجرها زوج من الخيول ذات الأجنحة، والتي تطير بـ "بابا نويل" من مكان لآخر ليلة رأس السنة، ليوزع هداياه على الأطفال.
وصورة "بابا نويل" هي صورة الرجل في الخمسين من عمره، ذو لحية بيضاء طويلة غليظة، وأنف مدبب، وجسم متين، ووجه أبيض محمر ..
أيها الأفاضل: هذا الشيخ الكبير ذو اللباس الأحمر، واللحية البيضاء الذي يسمونه "بابا نويل"، هو الإله الأب الذي ولد له مولود من مريم، وهو عيسى الإبن. فيقوم الأب الإله بتوزيع الهدايا في يوم ولادة ابنه عيسى عليه السلام "الإله الإبن".
إنه تثليث كامل، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. قال تعالى: "تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا.." من سورة مريم
جاء في الحديث القدسي، قال الله تعالى : "شتمني ابن آدم ؛ وما ينبغي له أن يشتمني، وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني، أما شتمه إياي فقوله: إنّ لي ولدا، وأنا الله الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد، وأما تكذيبه إياي، فقوله:ليس يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته".
وعليه .. فلا يجوز لمسلم قد رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبياً ورسولاً، أن يشارك في الاحتفال بما يحتفل به هؤلاء.
قال ابن القيم رحمه الله: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق".
وقال القاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور الحنفي:
"
من اشترى فيه شيئا لم يكن يشتريه في غيره، أو أهدى فيه هدية إلى غيره، فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فقد كفر، وإن أراد بالشراء التنعُم والتنزُه وبالإهداء التحابّ جريا على العادة لم يكن كفرا، لكنه مكروه كراهة التشبيه بالكفرة، حينئذ فيحترز عنه. قاله علي القاري". انتهى كلام صاحب عون المعبود. (الجزء الثالث صفحة88).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاويه:
"
ولا يحلّ فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك من أجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار الزينة". (ج:6 ص:111).
ألا فاتقوا الله، واعتزوا بدينكم وبتاريخكم، وانتبهوا إلى أعيادكم، واملأوا قلوبكم بأسرارها، واربطوا حياتكم بسننها، ولكم أن تقيموا ما شئتم من الإحتفالات الإنسانية التي تظهرون بها سروركم بنعم الله الخاصة عليكم، تظفروا بالمجد والكرامة، وتحافظوا على شخصيتكم.
والله المستعان، نسأله سبحانه أن يردّنا إلى دينه ردّا جميلا، وأن يبصر المسلمين بما فيه نفعهم وفلاحهم.

الاثنين، 8 ديسمبر 2014

لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل




أما بعد، فقد روي أن المأمون قد وكّل الفراء، يلقّن ابنيه النحو، فلما كان يوما أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه لَهُ، فتبارى أيهما يقدمه ، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردا فقدماها، وكان المأمون له على كل شيء صاحب خبر، فرفع ذلك إليه في الخبر، فوجّه إلى الفراء فاستدعاه.  
فلما دخل عليه، قال لَهُ: من أعز النَّاسَ؟.
 قَالَ : ما أعرف أعزُّ من أمير المؤمنين.  
قَالَ : بلى، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، حتى رضي كل واحد منهما أن يقدم فردا.
قَالَ: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما من ذلك، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقًا إليها، أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها، وقد يروى عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين ركابيهما حين خرجا من عنده، فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحديثين وأنت أشرف منهما؟ قال لَهُ: اسكت يا جاهل لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل .  
فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعتبا، وألزمتك ذنبًا، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما وبين عن جوهرهما، ولقد تبينت لي مخيلة الفراسة بفعلهما، فليس يكبر الرجل، وإن كان كبيرا عن ثلاث: عن تواضعه لسطانه ولمعلمه العلم، ولقد عوضتهما عما فعلاه عشرين ألف دينار ولك عشرة آلاف درهم حسن أدبك لهما. ملاحظة: (ورد في كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان أنه: الكسائي).
إنها ـ أيها الأفاضل ـ التربية المفقودة في زماننا هذا..إن  جواب المأمون هذا ليعكس نظرة الإسلام والأمة الإسلامية كلها آنذاك إلى العلم والعلماء، وما كانوا عليه رعاةً ورعيةً من العناية والاهتمام والتعظيم والإجلال للعلم وأهله.
 أيها الأفاضل: إن أدبيات احترام المعلم أكثر من أن تعد أو تحصى في الأدب العربي، ولكنها فقدت في عصرنا ولا حول ولا قوة إلا بالله نعم لا زالت بقية طيبة من الطلاب وأوليائهم يحترمون الأساتذة والمعلمين أعظم الاحترام، لكن الغالبية نراهم وقد انحرف بهم التفكير، وشط بهم سوء الخلق لدرجة التطاول عليهم واللامبالاة بهم.. ولا داعي لذكر الأمثلة.

وللأسف.. نحن في مجتمع مسلم يتواصى بالفضيلة والتأدب مع الغير، فكيف يكون الأمر مع الأستاذ الذي وصف بأنه (كاد أن يكون رسولا). بينما واقع الحال يبعث على الحسرة التي لا يشعر بها إلا من جرب أن يكون معلماً.

فلقد أصبح المعلم اليوم تنطبق عليه أبيات الشاعر إبراهيم طوقان، وهو يعاتب أمير الشعراء إذ سما بمكانة المعلم، و إبراهيم طوقان هو الأدرى كونه عمل معلِّمًا.
          شوقي يقول وما درى بمصيبتي        
اقعد فديتك هل يكون مبجلاً
قم للمعلم وفّه التبجيلا
من كان للنشء الصغار خليلا

وللأسف.. نحن في مجتمع مسلم يتواصى بالفضيلة والتأدب مع الغير، فكيف يكون الأمر مع الأستاذ الذي وصف بأنه (كاد أن يكون رسولا). بينما واقع الحال يبعث على الحسرة التي لا يشعر بها إلا من جرب أن يكون معلماً.
أختم فأقول: لكي ينجح التعليم لابد من صدور وتطبيق الأنظمة التي لا تتساهل مع الطلاب، بل توجب التعامل معهم بحزم وقوة تحفظ للأستاذ مكانته، وللطلاب جديتهم في طلب العلم. أخذا بنصيحة هارون الرشيد لمعلم ولده: "وقوّمْه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدّة والغلظة".
أدعو الله جل وعلا أن يعود للمدارس في الجزائر دورها، ويعرف للمعلم فضله، وأشد على عضدي والخيرين معي كل معلم مخلص رغم الظروف.
فيا أيها المعلمون والأساتذة: أنتم جذوة النار في وسط الظلمة، ناولوا طلابكم من زيتكم قطرة، أنتم الشموس المشرقة في الليل الأسود البهيم، أنتم نور الغد الزاهي، فلترعوا براعمكم حتى تتفتح زهورًا، وفقكم الله في جهادكم، إنا معكم مجاهدون.

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

أيها التاجر، يا من اخترت هذه المهنة، وهي طيبة شريفة مباركة






 اعلم غفر الله لي ولك: أنه يجب عليك أن تتعلّم أحكامها، وما يصحّح بيعك وما يفسده، حتى تكون معاملتك صحيحة، وتصرفك بعيدا عن الفساد، ويكون رزقك حلالا مباركا فيه.

فلقد كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يدخل السوق، ويضرب بعض التجار بالدرّة، ويقول: "لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى"، رواه الترمذي.

وقال العلامة الفاضل سيدي أبي عبد الله محمد الخرشي رحمه الله: "البيع  هو مما يتعين الإهتمام به، وبمعرفة أحكامه لعموم الحاجة إليه والبلوى به، إذ لا يخلو المكلف غالبا من بيع وشراء، فيجب أن يعلم حكم الله فيه قبل التّلبّس به". (مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل).

  ويا للأسف – إن كثيرا من التجار أهملوا هذا الباب، وأغفلوا هذه الناحية، وأصبحوا لا يبالون بأكل الحرام، مهما زاد الربح وتضاعف الكسب، فهناك من يطفّف الكيل والميزان، وهناك من يخلط الرديء بالجيد، وهناك من يحلف على الرديء ليبيعه بثمن الجيد، وهناك من يتسبب في احتكار الأرزاق، أو يتدخل في رفع أسعار السلع ، وهناك وهناك..

نعم للأسف.. تخلّى بعض التجار عن فضائل عملهم وواجباتهم، والرسول صلى الله عليه و سلم – العزيز عليه أن يصيب أمته عنت ومشقة، الحريص على سعادتها – كان كثيرا ما ينـصح الـتـجـار ويرشدهم.

فلقد خرج ذات يوم إلى سوق الناس، فرآهم يتساومون ويتبايعون فاستمع إليهم، ورأى صور تبايعهم فقال: "يا معشر التجار، يا معشر التجار"، فرفعوا رؤوسهم استجابة لندائه وإنصاتا له، فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق".  رواه الترمذي . "اتقى الله": اتقى سخطه وغضبه، فلم يظلم أحدا من خلقه. و"بــرّ" أي لم يحلف ويحنث في يمينه،  و"صدق" أي لم يكذب ولم يغش.

بهذا نصح النبي صلى الله عليه و سلم التجار، لأنّ هناك من تدفعه محبة الربح، وحرصه على جمع الحطام إلى الحلف الكاذب والغش وما إلى ذلك، وهي ظواهر تفشت في أسواقنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال فيما رواه الترمذي: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء".
      فيا أيها التاجر – إنها منزلةٌ عاليةٌ، ومكانةٌ ساميةٌ، أعدّها الله للتاجر الذي صار الصدق سجية له، وعرفت عنه الأمانة والتحرز من الشبهات، فهو يوم لا ينفع مال ولا بنون يكون في منازل النبيين والصدّيقـيـن والشهداء، وما أشرفها وأكرمها من منازل!.

       فاتقوا الله – أيها التجار - واتقوا أسباب سخطه وعقابه، وحرروا مكاسبكم، واجعلوها غنيمة لكم تقيكم عذاب الله، ولا تجعلوها غرما فتفقدوا بركتها، وتكونون يوم القيامة من الخاسرين.
 
© 2009/ 11/25 *هذاالقالب من تصميمى * ورود الحق