الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

الموضوع: المخدرات وأثرها المدمّـر




الخطبة الأولى

     الحمد لله الذي شرع لحفظ العقول ما لم تشرعه ملّة سابقة، ولا نُظُم لاحقة، فحرّم الخمور والمخدرات، وحصنها من الانسياق وراء الأوهام والخرافات، وزكَّاها بالآيات البينات، والحجج الباهرات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله حرّم الخبائث وأحلّ الطيبات، صلى الله وسلم عليه، ورضي عن آله وأصحابه ما تتابعت الأوقات.
    أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله وراقبوه، واخشوا ربكم واحذروه، واتبعوا أمره وأطيعوه، واجتنبوا ما نهاكم عنه واتركوه، لتفوزوا برحمته، وتدخلوا جنته، وتشملكم مغفرته.
     أيها المسلمون: حديثي إليكم اليوم عن سلاح خطير، بيد فاقدي الضمير، يفتك بالعقول فيعطلها، ويفتك بالأجساد فيهدّها، ويفتك بالأموال فيبددها، ويفتك بالأسر فيشتتها، ويفتك بالمجتمعات فيحطّمها.
     حديثي اليوم..  عن إرهابٍ يسلب العقول، وعن إجرام يستهدف أعزَّ ما تملكه الأمة، إنَّه يستهدف شبابنا، ويتقَصّد نَخْر قوتها، فلا يكون لمستقبلنا أملٌ ولا قوة .
      أتعلمون ما هو ؟.
    إنه المخدرات.. وما أدراك ما المخدرات؟, أشكال وألوان، ما أنزل الله بها من سلطان، أقنعة كثيرة لوجه واحد قبيح، وأسماء وصفات لسموم ومسكرات، ما جلبت على البشرية إلا البغضاء والعداوات.
    نعم.. إنها المخدرات.. كلمة قليلة الحروف، قليلة المعاني، ولكن ليس لـها إلا ثلاث نهايات: الجنون، أو السجن، أو الموت. الحديث عنها وعن هلكاها وضحاياها مؤلم وطويل.. فهي تهتك الأستار، وتظهر الأسرار، وتدخل صاحبها في دائر الفجار، كل بلاء يصغر دونها، خطيئةٌ لها ما بعدها من الانحراف والخطايا.
    أيها المسلمون: وإنني هنا ومن على هذا المنبر، أضم صوتي إلى صوت عقلاء العالم من أمتي بإنقاذ المجتمعات من وَيْلات هذا البلاء. 
   عباد الله: إننا نتحدّث عن المخدّرات في وقتٍ ضجّت فيه البيوت بالشكوى، واصطلى بنارها من تعاطاها ومن عاشرها، وأحالت حياتَهم جحيمًا لا يُطاق، فوالدٌ يشكو، وأمٌّ تبكي، وزوجةٌ حيرى، وأولادٌ تائهون في ضيعةٍ كبرى، ومن عوفي فلله الحمدِ. 
   قال عنها المنظّرون: "إنّ خطرَ المخدّرات وتأثيرها المدمّر، أشدُّ فتكًا من الحروب التي تأكل الأخضر واليابسَ، وتدمِّر الحضارات، وتقضي على القدرات، وتعطّل الطاقات".
   يا عافاكم الله: المخدّرات تفسد العقل، وتقطع النسل، وتورث الجنون، وتجلب الوساوس والهموم، وأمراضًا عقليّة وعضويّة ليس لها شفاء، وتجعل صاحبَها حيوانًا هائجًا ليس له صاحب، وترديه في أَسوَإ المهالك والمصائب، مع ما تورثه من قلّة الغيرة وزوال الحميّة؛ حتى يصير متعاطيها ديّوثًا وممسوخًا.
    نعم.. إن ذلك لا ينكره عاقل، بل إن من المحسوس والمشاهد للناس جميعًا، أن هذه المواد المعروفة الآن بالمخدرات على اختلاف أنواعها ومسمياتها لها من المضار الصحية والعقلية والروحية والأدبية والاقتصادية والإجتماعية فوق ما للخمر، فاقتضى الدليل الشرعي ثبوت حرمتها، وأنها داخلة فيما حرم الله تعالى ورسوله من الخمر المسكر لفظًا ومعنى.
   فلقد أمرنا الله باجتناب الخمر وما في حكمه من مسكر ومخدر، ولا فرق في التحريم بين قليله وكثيره، لحديث: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مخدر ومفتر"، ولحديث: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"، ولحديث: "ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام".
       قال الإمام ابن القيم رحمه لله تعالى: "ويدخل في الخمر كل مسكر مائعًا كان أو جامدًا، عصيرًا أو مطبوخًا، واللقمة الملعونة لقمة الفسق والفجور التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن".
     بل يكفينا ـ يا عباد الله ـ أن نقول: إن المخدرات تفسد العقل والمزاج، وما قيمة المرء إذا فسد عقله ومزاجه؟ .
   يتعاطى ـ هذا المغفل ـ المسكرات والمخدرات، فيرتكب من الآثام والخطايا ما تضج منه الأرجاء، وما يندم عليه حين يصحو، ولات ساعة مندم. قال الحسن البصري رحمه الله: "لو كان العقل يشترى، لتغالى الناس في ثمنه، فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده"!.
   أيها الأكارم: وإنّ بلادنا لتواجه هجومًا شرسًا من جهاتٍ مشبوهة بخططٍ وأهداف بعيدة المدى لتهريب المخدّرات وترويجها بين أبنائنا، لتحطيم البلاد كلِّها اجتماعيًّا واقتصاديًّا ودينيًّا وأخلاقيًّا وفي كلّ المجالات، حتى أضحت حرب المخدّرات أحدَ أنواع الحروب المعاصرة الخطيرة، والذي يقف في الميدان يدرك مدى ضراوةِ هذه الحرب.
   ففي جزائرنا الحبيبة -حماها الله- ورد في حديث لوكالة الأنباء الجزائرية ما يلي: لقد ذكر: "المدير العام للديوان الوطني لمكافحة المخدرات والإدمان السيد محمد زوغار أن: "مجموع 163ر77920 كلغ من القنب الهندي حجزت خلال السداسي الأول من سنة 2013 (جانفي – جوان). وأضاف قائلا: (وسجلت حصيلة السداسي الأول من سنة 2013 أيضا حجز 583.185 حبة من المواد المهلوسة لمختلف العلامات: (190 قارورة ذات علامة، و20 قارورة من الكزيلاكوين، و19 قارورة من نوع الفاليوم، وعلبتي اميبرازول، بالإضافة إلى حجز 778ر217 غرام من الكوكايين، و8ر6 غرام من الهيروين". هذا حسب ما ذكر المدير العام للديوان الوطني لمكافحة المخدرات.. (جريدة الشروق15نوفمبر2013).
     وبعد، أيها المسلمون: هذه الكميات كفيلة بتدمير شعب بأكمله لولا عناية الله، ثم الجهود المبذولة من الدرك والشرطة والجمارك، وبعض المواطنين المخلصين الذين كان لهم دور أساسي في كشف بعضها، جزى إلهي الجميع -مسئولين ومواطنين- خير الجزاء، وحفظ الله بلادنا من كل سوء. 
   عباد الله: إن الحديث عن المخدرات حديث مؤلم، ولكن السكوت عنه لا يزيد الأمرَ إلا إيلامًا؛ لذا فلا بدّ من الوعي بحقائق الأمور وإدراك حجمِ الخطر، ثم التكاتُف والتآزر بين أفراد المجتمع ومؤسّساته؛ للحدّ من هذا الوباء وصدّه قبل استفحال الداء، ولا تقلْ ـ يا أخي ـ أنا أسرتي محافظة، نسأل الله أن يحفظ أسرنا جميعاً، لكن مع ذلك فقد تكون أنت أشد استهدافاً.
      وأقول للجميع: ما من مشكلة يعاني منها المجتمع، إلا ونحن جميعاً مسؤولون عنها، أفراداً وجماعات ومنظمات وهيئات رسمية وغير رسمية، المجتمع كلٌّ متداخل، فلا بد من الوعي، ولا بد من الحركة نحو الإصلاح، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.. 
     نسأل الله أن يعافينا في أنفسنا وفي ديننا وأهلينا، وأن يقينا والمسلمين شرَّ هذه البلايا، وأن يردَّ ضالَّ المسلمين إليه ردًّا جميلاً، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..



الخطبة الثانية

      الحمد لله الذي سهل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلاً، وأوضح لهم طريق الهداية، وجعل اتباع الرسول عليه دليلاً،  صلوات ربي وسلامه عليه وعلى أصحابه.
      ثم أما بعد، فيا عباد الله: إن ظاهرة تعاطي المخدرات -كغيرها من الظواهر الاجتماعية – لا يمكن الجزم بوجود سبب واحد في انتشارها، بل هي مجموعة أسباب متداخلة، وفي خطبتي هذه، أذكر أهمها:
    أولا- ضعف الإيمان وأساس ذلك يأتي في الجهل بالعلم الشرعي، فمتى وجد الجهل وجد ضعف الإيمان، لأن الإيمان أساس العلم الشرعي الذي يهدي لأرشد طريق.  
     ثانيا- عامل التربية والتوجيه الذي يُفتقد في بعض الأسر، فينشأ الطفل في المنزل دون أن يجد من يوجهه وينصحه ويعلمه ويذكره، وبالتالي يقع فريسة هذا البلاء لجهله بعواقبه..
    ثالثا- رفقة السوء والتي تكون داعية شر وبلاء، ونشر للفساد بين أفراد المجتمع، فكم من فتى كانت بدايته جيدة، ثم تعرف على رفقة سيئة كانت سببا في انحرافه ووقوعه في كثير من الشرور وفي مقدمتها المخدرات.
      أيها المسلمون، ألا وإن المسؤولية في محاربة هذا الخطر تقع على كواهلنا جميعـاً، فعلى البيت مسؤولية، وعلى المدرسـة ومناهج التعليم مسؤولية، وعلى الإعـلام والقائمين عليه مسؤولية، وعلى الدولة والمجتمع مسؤولية، وليس في تقصير البعض ما يبرر إعراض الآخرين عن القيام بالواجب، لأن الخطأ لا يبرره خطأً آخر.
     فاتقوا الله -أيها المسلمون- وتعاونوا على الخير، حاربوا الشر؛ فإن الله تبارك وتعالى جعل من صفات المؤمنين المسلمين أن يوصي بعضُهم بعضاً لكل خير، وأن يتآمروا بالمعروف وأن يتناهوا عن المنكر. قال تعالى: "وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ".  سورة العصر
    أسأل الله تعالى أن يحفظ أبناءنا وبناتنا من هذه الشرور، وأن يهدي ضال المسلمين، وأن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى إنه جواد كريم. اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعل بلدنا آمنا سالما وجميع بلاد المسلمين، اللهم اسلك بنا سبيل الأبرار، ووفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانا برحمتك يا أرحم الراحمين. وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

السبت، 23 نوفمبر 2013

الفرح سلوكٌ راق، يا أنصار الفريق الوطني



الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، عم بنعمته الخلائق كلها، على مدار الأعوام والسنين، وأكمل دين الإسلام ورضيه ديناً لعباده المؤمنين.. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحابته الأكرمين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
  
أما بعد، فيا عباد الله: بالشكر والإيمان تدوم النعم، وبالكفر والعصيان تحل النقم، فحافظوا على نعم الله التي بين أيديكم يدمها عليكم، واحذروا كل الحذر من كفر النعم فيذهبها الله من بين أيديكم، يقول الله تعالى: "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد"، ويقول عز وجل: "وإن تعدوا نعمة الله لا يحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ."
أيها المسلمون: إنَّ السرورَ والفرَحَ بِنَيلِ المطالِبِ وإدراك المحبوبات والمآرب وكذلك الحزن بفقد المطالب وفوات المحبوبات، مِن صفات البشر، ومما جُبِلَت عليه النفوس.
فالنفس البشرية تعتريها الأحوال المختلفة، يمر عليها أحوال الفرح والترح، والسرور والسعادة، والضيق والضنك، أمر بديهي، وكل حال من هذه الأحوال قد يعرض النفس إلى الشطط وعدم الاتزان، فربما في حالٍ من هذه الأحوال تنحرف النفس عن مسارها واستقامتها، يستغلها الشيطان فرصة فيسول للعبد ويزين وينفث ضلالاته حتى يحيد بالعبد عن الطريق، فالشيطان يستغل التهاب المشاعر الإنسانية من فرح، وترح، وغضب، وحب وبغض .... الخ، فيحاول معهم حتى يتحقق له المراد.

ويجب على العبد المؤمن حين وقت الفرح أو الحزن أن يلتزم الجادة في كل أحواله من فرح وترح وغير ذلك ويرتبط دائماً بمولاه، ويحذر كل الحذر من الشطط والانحراف..
ولقد وجّه الإسلام العاطفة الملتهبة بالفرح، إلى الفرح بفضل الله وبهدايته، قال تعالى: "قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ"
فعلى المسلم حين الفرح، أن يحذر مكر الله سبحانه، لأن الفرح قد يجعل صاحبه ينسى المُنعم، وهو الله سبحانه، فيكون سبب لسلب النعمة، ولو بلغ العبد من الطاعة ما بلغ، لا ينبغي له أن يفارقه الحذر، فالفرح متى كان لله، وبما منّ الله به، مقارنا للخوف والحذر، لن يضر صاحبه. ومتى خلا من الحذر ضرّ وأفسد. 
وهذا كتاب الله جل جلاله، يشير إلى ألوان من الفرح المنحرف الضار، فيقول في سورة الأنعام: "فلما نسوا ما ذُكروا به  فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون". أي أن أهل الشرك والعناد والمعصية، نسوا أوامر الله واعرضوا عنها، وجعلوها وراء ظهورهم، ففتح الله عليهم أبواب الإستدراج والإمهال، فأعطاهم من متاع الحياة ما يريدون، حتى إذا فرحوا بالأموال والشهوات، أخذهم الله على غفلة، فإذا هم بائسون محرومون من كل خير.
أيها المسلمون وفي الوقت نفسه الذي دعا الله فيه الناس للحذر حين الفرح، فهو ـ سبحانه ـ لم يُرِد أن يكون باب السعي وراء الطيبات وفرح الإنتصارات مفتوحا على مصراعيه.. لأن النفس البشرية لن تقف عند حد, حتى لو كان حراماً، وستطالب دوماً بالمزيد، حتى لو كان إسرافاً، وسيصبح صاحبها كمن يشرب من ماء البحر، كلما شرب منه ازداد عطشاً... وهكذا حتى يصبح حالة مَرضية وانحرافاً و طغياناً.
 وقد عرض لنا القرآن الكريم  نموذج قارون، وتحدث عنه بإسهاب، حيث كان قارون من أتباع موسى على نبينا وعليه السلام، ولكنه رويداً رويداً راح يعبّ من خيرات الدنيا، ليس فقط من حلالها، بل تعدى ذلك إلى حرامها، فطغى واستبد تاركاً وراء ظهره إيمانه بالنبي موسى عليه السلام ورسالته وكل ما قد عاهد الله عليه، قال تعالى: "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ". فقد وصل قارون إلى قمة الفرح، ولكن أي فرح هو هذا؟... 
فرح قارون كان فرح طغيان المال والشهوات، وفرح البطر بنعمة الله ونكران الجميل... والنتيجة: قال تعالى: "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ ".
وها هي القاعدة القرآنية لحركة الإنسان في الحياة: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ". 77:القصص.
إنّها الدعوة الواضحة والصريحة للأخذ بكلّ أسباب الفرح، ولكن دون تغليب جانب على آخر.. نعم ـ أيها المسلمون ـ الفرحُ سلوكٌ راقٍ، وفِكرٌ رصينٌ، ومطلبٌ مهمٌّ، وهدفٌ منشود. والناسُ كلّ الناس يسعَى إلى فرحِ قلبِه، وزوالِ همِّه وغمِّه، وتفرُّق أحزانِه وآلامِه.
 ولكن .. ولكن على المسلم أن يظهر ذلك في إطار الشَّرع، وضوابِط الدِّين، ومُرتكَزات القِيَم والأخلاق دون خدشٍ للحياء. فالفرح يكون مذموما إذا كان ناتجًا عن الطغيان والتكبر والغفلة والخواء، وليس من شأن المسلم أن يكون مفراحًا إلى درجة الإسراف؛ إذ ما من شيء من أمور الدنيا إلا والإسراف يشينه، كما أن الاعتدال يزينه، إلا عمل الخير ولذلك قيل: لا خير في الإسراف ولا إسراف في الخير.
ومن هذا المنطلق ـ عباد الله ـ فإن الإسراف في الفرح سواء كان في الأعراس أو الإنتصارات الرياضية أو شبهها، مدعاة للخروج عن المقصود، بل ولربما أدى إلى الوقوع فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى من معاصٍ أو ضجيج وأهازيج، تقلق الذاكر، وتنغص الشاكر.
 وهذا ـ وللأسف ـ ما حدث بعد تأهل الفريق الوطني لكأس العالم، فإن أبالسة الجن والإنس ما فوتوا الفرصة، فلقد زينوا لكثير من الشابات والشباب، ودفعوهم وبطرق شتى إلى الإنحراف بهذا الفرح إلى مخالفات عظمى، وسيئات كبرى، فعاثوا في الشوارع والساحات فسادا، وأرخصوا القيم العليا والمبادئ السامية التي نعيش عليها، ولا نقوم إلا بها..
أيها المسلمون:  إني عندما أقول هذا، فإني لا أدعو  لعدم الفرح بهذا الإنتصار، وإنما لنكشف عن الوجه الآخر الذي تحولت له كثير من مظاهر الفرح في مجتمعنا، وأنبه إلى ما انفرط فيها من معاص، فقد انقلبت  الأفراح إلى أتراح في كثير من الحالات، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

فيا عباد الله: قيِّدوا أفراحكم بشرع الله، وإياكم والتجاوزَ فيه بالقول أو بالعمل! وإياكم أن تأسوا على ما فاتكم، أو تتجاوزوا المشروع في الفرح بما آتاكم! فالله يقول: "لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ". الحديد:23 . أي: مختال في نفسه، متكبِّر فخور على غيره، وتأملوا قول عكرمة واعملوا به، قال: "ليس أحدٌ إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكراً، والحزن صبراً". فهذه قاعدةٌ حَرِيَّة بالتأمل. واتقوا الله لعلكم تفلحون..  
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..  

الخطبة ا لثانية
   الحمد لله، الحمد لله حمدًا كثيرًا، وسبحان الله بُكرةً وأصيلاً، أحمدُه حمدًا لا انتهاءَ لأمَده، وأشكرُه شُكرًا لا إحصاءَ لعدده، الحمدُ لله عددَ خلقِه وزِنةَ عرشِه ورِضا نفسِه ومِدادَ كلماته، الحمدُ لله كما يحبُّ ربُّنا ويرضَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ الأعلى، وأشهد أن سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبده ورسوله النبيُّ المُصطفى والخليلُ المُجتبَى، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه ومن اقتفَى 
.
   أما بعد: فما أجمل - أيها الأحبة- أن ننطلق في أفراحنا من اعتزازنا بديننا، وأن نكون صادقين مع ربنا، شاكرين لأنعمه، سائلينه سبحانه أن يزيدنا من فضله..
ألا وإن الفرح الأكبر، والنعيم الأعظم، فرحٌ لا يفنَى، ونعيمٌ لا حدَّ لمُنتهاه، عندما يُوفَّقُ المُسلمُ لسعادة الأبَد في جنَّات النعيم، وهناك يفرحُ المؤمنون دون غيرِهم يوم القيامة، تتلألأُ وجوهُهم نورًا، ومن شدَّة الفرَح تظهرُ ضاحِكةً مُستبشِرَة، قال الله تعالى: "تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيم".  المطففين: 24 ، وقال سبحانه: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ".  القيامة: 22، 23. وقال سبحانه:  وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ".  عبس: 38، 39.

    فاللهم إنا نسألُك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل، ونعوذُ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل. اللهم إنا نسألُك من الخير كلِّه عاجلِه وآجلِه، ما علِمنا منه وما لم نعلَم، ونعوذُ بك من الشرِّ كلِّه عاجِلِه وآجلِه، ما علِمنا منه وما لم نعلَم. اللهم إنا نسألُك فواتِح الخير وخواتِمَه وجوامِعه، وأوله وآخره، وظاهره وباطنه، ونسألُك الدرجات العُلَى من الجنة يا رب العالمين. اللهم أصلح حال شبابنا..واهدهم سبل النجاح و الفلاح.  اللهم نور حياتهم بالعلم، و زين أخلاقهم بالحلم، واجعلهم  من عبادك الطائعين.  اللهم تقبل بفضلك أعمالنا، وحقق بالزيادة آمالنا، واجعل بطاعتك اشتغالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واختم بالسعادة آجالنا، واجعل إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، اللهم اغفر لآبائنا و أمهاتنا، وتجاوز عن سيئاتهم وسيئاتنا، واجعلنا من عبادك الصالحين، يا ارحم الراحمين. اللهم أمنا في دورنا ووفق إلى الخير و الصلاح ولاة أمورنا، واجعل اللهم بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

الأحد، 17 نوفمبر 2013

القزع... وتقاليع قص الشعر

    قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم رحمهما الله: "لتتبعن سَنَن من قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه، قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ . قال فمن".؟ 
   وقال أيضا: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع، قيل يا رسول الله كفارس والروم؟. قال: ومَنِ الناس إلا أولئك؟".  
   
     نعم .. للأسف الشديد، إننا نرى فئاما من الشباب يتشبّهون بالكفار في لباسهم وسلوكهم وفي عاداتهم وأعيادهم، وربما تميل نفوسهم إلى حبّهم والإعجاب بهم!. 

    فما نشاهد من فعل بعض الشباب من حلق بعض الشعر وترك البعض، وذلك هو القزع الذي نُهي المسلم عن فعله، ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن القزع، قال عبيد الله، قلت وما القزع؟.  فأشار لنا عبيد الله قال: إذا حُلق الصبي، وترك هاهنا شعره، وهاهنا وها هنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته وجانبي رأسه... 

تعريف القزع:
قال في تاج العروس: القَزَع - محركة -: قطع من السحاب رقاق، كأنها ظل، إذا مرت من تحت السحابة الكبيرة. الواحدة: قزعة، ومنه حديث الاستسقاء: "وما في السماء قزعة"؛ أي: قطعة من الغيم.
 وقيل: القزع، السحاب المتفرق، وما في السماء قزعة؛ أي: لطخة غيم.
ثم قال: ومن المجاز: القزع: أن يحلق رأس الصبي، ويترك مواضع منه غير محلوقة؛ تشبيهًا بقزع السحاب، ومنه الحديث: "نهى عن القزع"؛ يعني: أخذ بعض الشعر وترك بعضه..

     والناظر في أحوال بعض الشباب يجد أن لهم في ذلك طرائق شتى، فمن الشباب من يحلق بعض رأسه من أسفل، ويجعل باقي الشعر على شكل دائرة ويحلق ما تحته، ومنهم من يجعل في وسط الرأس خطاً يبدأ من ناحيته إلى مؤخرة رأسه، كما أن هناك هي تسريحات كثيرة ، يدخل بعضها في "القزع" – كتسريحة "المارينز" أو غيرها فتمنع لسببين القزع، والتشبه بالكفار -، وبعضها لا قزع فيه غير أنه يختص بالكفار كنصب بعض الشعر وسبل الآخر، أو ما شابه ذلك . وهذا كله داخل في النهي، ويدخل في معنى القزع عدة صور نذكر منها:

 1ـ حلق الرأس غير مرتب، بأن يحلق من مواضع، وهذا لا ريب في كراهته. وهو مشوه أيضاً.
 2ـ أن يحلق وسطه ويترك جوانبه.
 3- أن يحلق جوانبه ويترك وسطه.
4ـ أن يحلق الناصية فقط ويترك القفا.
5ـ أن يحلق القفا منفردا عن الرأس بلا حاجة.

 فإن حلق لحجامة أو غيرها زالت الكراهة. قال المروزي: "سألت أبا عبد الله عن حلق القفا، فقال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم". المغني" (1/125).

وحكم القَزَع: مكروه، إلا إذا كان على وجه التشبه بالكفار فهو محرّم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» . أخرجه أبو داود

    اعلم ـ أُخَيَّ ـ إن أمثال هؤلاء إنما يعملون ذلك تقديرا لغيرهم، وحبًّا في الجري وراءهم، مندفعين بعامل خفيّ، يمكن أن يفسّره علماء النفس والإجتماع بعقدة النقص، أو عقدة الإحساس بالضعف، ضعف الشخصية ومحاولة تكميلها بما يظنونه كمالا، حين يتشبهون بالأقوياء..  حقا:
  
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها .. هوانا بها كانت على الناس أهونا

   فيا أيها الشاب: إن كنت تبحث عن الجمال فإياك والقزع؛ فإنه يشوه المنظر، ويوحي بالفراغ الروحي العلمي والأدبي.. ويحمل إيحاءات ودلالات سيئة عنك وعن توجهك.. واعلم أنك من أمة متميزة في دينها وقيمها وأخلاقها، معتزة بما آتاها الله من فضله، فخورة بدينها الإسلام، ونبيها محمد عليه الصلاة والسلام.

فاللهم اهدنا واهد شبابنا إلى ما تحبه وترضاه. وجنبنا وإياهم منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء، واغفر لنا ولهم ولجميع المسلمين..
 
© 2009/ 11/25 *هذاالقالب من تصميمى * ورود الحق